فخر الدين الرازي

425

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

جزئياتها تنبيها على كونه أعظم جزئيات ذلك الكلي كقوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] فكذا هاهنا العطف يدل على أن أقبح أنواع الكفر والمعصية إثبات الولد للّه تعالى . المسألة الثانية : الذين أثبتوا الولد للّه تعالى ثلاث طوائف . أحدها : كفار العرب الذين قالوا : الملائكة بنات اللّه . وثانيها : النصارى حيث قالوا : المسيح ابن اللّه . وثالثها : اليهود الذين قالوا : عزيز ابن اللّه ، والكلام في أن إثبات الولد للّه كفر عظيم ويلزم منه محالات عظيمة قد ذكرناه في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الأنعام : 100 ] وتمامه مذكور في سورة مريم ، ثم إنه تعالى أنكر على القائلين بإثبات الولد للّه تعالى من وجهين . الأول : قوله : ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبائِهِمْ فإن قيل اتخاذ اللّه ولدا محال في نفسه فكيف قيل ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ ؟ قلنا : انتفاء العلم بالشيء قد يكون للجهل بالطريق الموصل إليه ، وقد يكون لأنه في نفسه محال لا يمكن تعلق العلم به . ونظيره قوله : وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا بُرْهانَ لَهُ بِهِ [ المؤمنون : 117 ] واعلم أن نفاة القياس تمسكوا بهذه الآية فقالوا : هذه الآية تدل على أن القول في الدين بغير علم باطل ، والقول بالقياس الظني قول في الدين بغير علم فيكون باطلا وتمام تقريره مذكور في قوله : وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [ الإسراء : 36 ] وقوله : وَلا لِآبائِهِمْ أي ولا أحد من أسلافهم ، وهذا مبالغة في كون تلك المقالة باطلة فاسدة . النوع الثاني : مما ذكره اللّه في إبطاله قوله : كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وفيه مباحث : البحث الأول : قرئ : كَبُرَتْ كَلِمَةً بالنصب على التمييز وبالرفع على الفاعلية ، قال الواحدي ومعنى التمييز أنك إذا قلت كبرت المقالة أو الكلمة جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبا أو جهلا أو افتراء ، فلما قلت كلمة ميزتها من محتملاتها فانتصبت على التمييز والتقدير كبرت الكلمة كلمة فحصل فيه الإضمار ، أما من رفع فلم يضمر شيئا كما تقول عظم فلان فلذلك قال النحويون والنصب أقوى وأبلغ ، وفيه معنى التعجب كأنه قيل ما أكبرها كلمة . البحث الثاني : قوله : كَبُرَتْ أي كبرت الكلمة . والمراد من هذه الكلمة ما حكاه اللّه تعالى عنهم في قوله : قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً فصارت مضمرة في كبرت وسميت كلمة كما يسمون القصيدة كلمة . البحث الثالث : احتج النظام في إثبات قوله أن الكلام جسم بهذه الآية قال : إنه تعالى وصف الكلمة بأنها تخرج من أفواههم والخروج عبارة عن الحركة ، والحركة لا تصح إلا على الأجسام . والجواب أن الحروف إنما تحدث بسبب خروج النفس عن الحلق ، فلما كان خروج النفس سببا لحدوث الكلمة أطلق لفظ الخروج على الكلمة . البحث الرابع : قوله : تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ يدل على أن هذا الكلام مستكره جدا عند العقل ، كأنه يقول : هذا الذي يقولونه لا يحكم به عقلهم وفكرهم البتة لكونه في غاية الفساد والبطلان ، فكأنه شيء يجري به لسانهم على سبيل التقليد ، لأنهم مع أنها قولهم عقولهم وفكرهم تأباها وتنفر عنها ثم قال تعالى : إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ومعناه ظاهر ، واعلم أن الناس قد اختلفوا في حقيقة الكذب . فعندنا أنه الخبر الذي لا يطابق المخبر عنه سواء اعتقد المخبر أنه مطابق أم لا ؟ ومن الناس من قال شرط كونه كذبا أن لا يطابق المخبر عنه مع علم قائله بأنه غير مطابق ، وهذا القيد عندنا باطل ، والدليل عليه هذه الآية فإنه تعالى وصف قولهم بإثبات الولد للّه